سقراط

Sunday, April 13, 2008

الذليل يحسد القتيل

  • الذليل يحسد القتيل
    غسان شربل الحياة - 13/04/08//
    أكتب اليك أنت. لأنك القتيل الأول. الشهيد الأول. صاحب الجنازة الأولى. فأنت تذكر بلا شك ذلك النهار. 13 نيسان (ابريل) 1975. احتضن جسدك أول الرصاص وغفوت طويلاً. ومن يدري فقد تكون قبلت أن تكون الشهيد الأول شرط أن تكون الشهيد الأخير. أخطأت في التقدير.
    أكتب اليك. أنحني لذكراك. لأوجاع عائلتك. وأراهن على سعة صدرك. وأعتذر إنْ شارفت الصراحة حد الوقاحة. يخالجني شعور بأنه لو قيض لك أن تسمع بما حدث بعد رحيلك لتمسكت بموعد غيابك. بلا حسرة. ولا ندم.
    أكتب اليك باسم شركائك في لعنة الوطن. في خريطة تشبه السفينة المثقوبة. في تاريخ مطبوخ بالعسل والسم. في جغرافيا معلقة على العواصف والحبال. أكتب اليك باسم من أضاع سقفاً أو قرية. ومن فقد عزيزاً. ومن خسر بعض جسده. ومن تقيأ أحلاماً قديمة. ومن زرعه اليأس في بلاد بعيدة.
    أنت القتيل الأول. أغبطك على هذا الغياب المبكر. أغبطك وأحسدك. أغمضت عينيك قبل افتضاح الكذبة الذهبية. قبل أن تبوح الخديعة بأحشائها. قبل أن ترى فخر الدين نادماً على عودته من المنفى. وجبران خليل جبران يستقيل من المكان الذي كان. والرحابنة يعتذرون من القمر الجميل الذي تحول مخبراً صغيراً في سماء البلد الذليل.
    أغبطك وأحسدك. لم تعاين كيف قاتلوا واقتتلوا وقتلوا. لم تسمع بكاء النار في القرميد. والدخان المتصاعد من البلدات والمخيمات. والجثث المنسية في الطرقات. والدم المتروك على المتاريس. وجموع المهجرين والخائفين. ومصانع اليتامى والأرامل. وابتسامات القراصنة يتسلقون أشجار الدم.
    أنت القتيل الأول. أتهمك بأنك محظوظ. لهذا لا تأسف. لا تحزن. لا تطلق دمعة. أكاد أقول إنك نجوت. لم تشهد ما تمخضت عنه مناجم التعايش اللبناني. لم تر بيروت تنحر. لم ترها تنتحر. لم تشاهد الفارين في القوارب. لم تتمتع برؤية الصفوف الطويلة أمام السفارات.
    لن أدخل معك في حوار. موقفي ضعيف. أخشى أن تسألني عما حدث في غيابك. أن تطلب منّي احصاء الحروب. مهمة شائكة. أتذكر «حرب السنتين». ولا أنسى في 1982 رؤية الجنود الإسرائيليين يستبيحون أول عاصمة عربية. مشهد ياسر عرفات مغادراً. ثم رؤيته مجدداً في طرابلس ليطرد منها. وهناك «حرب الجبل» التي مزّقت ما تبقى من النسيج اللبناني. و «انتفاضة 6 شباط». و «حرب المخيمات». وتذابح الميليشيات في شوارع بيروت. وشغور القصر الرئاسي في خريف 1988. ومبادرة «الحكومة البتراء» آنذاك الى إعلان «حرب تحرير» لذيذة أشفعتها بـ «حرب إلغاء» ألذ.
    لن أحاورك. أخشى أن تسألني عن الحوادث المؤسفة التي استهدفت كمال جنبلاط وبشير الجميل وحسن خالد ورشيد كرامي ورينيه معوض. أخشى أن تسألني عن الحوادث المؤسفة التي استهدفت رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وبيار أمين الجميل وجبران تويني ووليد عيدو. وعن اسماء الذين استهدفوا ونجوا ولكن بجروح في أجسادهم وأرواحهم. بصراحة أخشى أن تسألني عن اسم الشهيد المقبل وأنا لا أريد التقدير والتنجيم.
    لن أحاورك. أخشى أن تسألني عما تسميه الأكثرية «عهد الوصاية» وعما تسميه المعارضة «المحور الأميركي - الإسرائيلي». وعن عدد الأعلام التي ارتفعت في جنوب لبنان في العقود الماضية. وعن عدد القرارات الدولية المهتمة بمصير بلاد الأرز. وعن عدد المبعوثين الذين زاروا لبنان. وعن الاستقلال والسيادة ودولة المؤسسات وحكم القانون وكرامة الدستور. إجابات من هذا النوع تستلزم تفرغاً كاملاً وهذه الرفاهية غير متوافرة.
    لست متشائماً إلى حد انكار الايجابيات. ذات يوم التقى النواب في الطائف وأبرموا سلاماً. أشم رائحة تبرم من ثياب الطائف كأنها ضيقة على بعض الأحجام الجديدة. اسجل أيضاً أن اللبنانيين قاوموا وحرروا أرضهم وقدموا تضحيات كبرى. اسجل ان المقاومة منعت إسرائيل من الانتصار في حرب تموز وألحقت الهزيمة بصورة جيشها. اسجل أيضاً اننا في الطريق الى إضاعة الدولة ومكتسبات المقاومة. اسجل خوفي من رياح العرقنة.
    أنت القتيل الأول لن اضاعف حزنك والآمك. القصر الرئاسي شاغر ولذيذ. الحكومة بتراء ولذيذة. ابتكر الرئيس بري أسلوباً في تقاعد البرلمانات. يتقاضى النواب رواتبهم مقابل اطلالاتهم على الفضائيات.
    دعني اصارحك. لم تخسر شيئاً لأنك قتلت في ذلك النهار. أغلب الظن أنك ربحت. نجوت من طوفان البشاعات والارتكابات. أن تكون لبنانياً بعد تاريخ استشهادك يعني أن تكون ذليلاً. أحسدك لأنك لم تسبح في بحر الذل. أحسدك لأن الذليل يحسد القتيل. يحسد صاحب الجنازة الأولى.

0 Comments:

Post a Comment

<< Home